الشيخ أحمد بن علي البوني

470

شمس المعارف الكبرى

وتلك الصور الإنسانية والفطرية هي حقائق الشهود وأسرار الوجود ، فمن كمال معارف أسماء الذات كان مقامه يبقي المقامات كالشمس للكواكب يستمدونه للناس في مقام معاني أسماء الصفات كان كالبدر بين الكواكب يستمدونه . واعلم أن الكواكب يضيء بعض منها على بعض ولا يضيء منه ، وإن قطع عالم الأسماء المتضمنة للأفعال كما أن الكواكب منها ما هو أعظم يقتدى به ، ومنها ما هو صغير لا يقتدى به ، وتفاوتهم في مقاماتهم كتفاوت الكواكب النيرة من المتحيرة . ولذلك الخلائق يحشرون إلى اللّه ، فمنهم من يجوز على الصراط كالبرق الخاطف ، ومنهم من يجوز كأشد الرجال ألا ترى إلى قوله عليه السّلام يدخل الجنة أول زمرة من أمتي وجوههم كالشمس والقمر ليلة البدر إضاءة ، ثم الذين يلونهم كأضوأ الكواكب في السماء ، فنور وجوههم في منازلهم في إيمانهم وأعمالهم . واعلم أن تجلي الصور باق في الدارين قائم في النشأتين ، ولذلك كانت الفطرة مودعا فيها حقائق الأسماء على الجملة والتفصيل ، ألا ترى إلى الجنة تظهر اسمه : الخالق لأن الجنة لا نهاية لنعيمها ، ألا ترى أن في الجنة سوقا ليس فيها إلا صور الجمال ، فمن شاء أن ينطبع عليها ولما كانت الفطرة الإلهية مطبوعة في قوالب الأسماء لزوم البقاء لا الفناء . واعلم أن نشأة العالم قائمة من أربع المسميات بالبرزخية وهي أربع : فأولها نشأة الأزل وهي باطنة العمى ، والثانية نشأة الأبد وهي الهباء ، وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية ، ونشأة السرمدية وهي باطنة الفكرة . فالنشأة المتصلة بالعمى اعتمادها بقوله تعالى أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً وهو العالم الصغير المعبر عنه بالإنسان ، وكل عالم من العوالم خلق لأجله وهو نتيجة الحق المعلوم ، وهي روح العالم متحركة ، وجميع نشأته في الدنيا والآخرة لكل إنسان من الفريقين على النصف في الحال إلا في العلم ، لأن كل فرقة عالمة بنقص حالها ، فليس الإشارة إلا للمؤمنين والكافر مع سعادة وشقاوة ونعيم وجحيم . واعلم أن نشأة الأبد هي حقيقة الهباء وهي مكتوبة في قوله تعالى لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ثم النشأة الثالثة نشأة السرمدية وهي حقيقة في الذر في قوله تعالى أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ثم النشأة الرابعة بقوله في الجواب وهي المعبر عنها بنشأة الأبد في حقيقة الفطرة في قوله تعالى وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ وقوله تعالى هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ . تنبيه : اعلم أن المعلومات أربعة : الحق تعالى وهو الموصوف بالوجود المطلق لأنه تعالى ليس معلوما لا بشيء ولا جل بل هو موجوده وجوده ليس معلوما بالذات لكن يعلم ما سبب البدء من صفات المعاني وصفات الكمال ، وأما العلم بحقيقة الذات فممنوع لا يعلم بدليل ولا برهان عقلي ، فإنه سبحانه لا يشبه شيئا فيكون يدرك ، إنما هو ليس كمثله شيء ، وقد ورد النهي في التفكر في ذلك . والمعلوم الثاني نهى في الحقيقة الكلية التي هي للحق تعالى ، والعالم لا يتصف بالوجود ولا بالعدم ولا بالحدوث ، فهي محدثة فلا يعلم المعلومات قديمها وحديثها إلا حتى يعلم هذه الحقيقة ، ولا توجد هذه إلا حتى يوصف بوصف تحققها لأنها لا تقبل التجزؤ وما فيها كل ، ولا يتوصل إلى معرفتها بجوده عند التصور ولا بدليل ولا برهان ، فمن هذه الحقيقة وجد العالم بواسطة الحق تعالى ، فيكون الحق قد أوجدنا